03‏/12‏/2010

تلمع يا بيه ؟




تلمع يا بيه ؟

نفسى فى معاش و حاولت كتير بس مافيش فايدة
أنا بحاول أحس أن مش ناقصنى حاجة علشان ما أتعبش

رحلتى الثالة بمصاحبة رجل لم يرد التحدث إلى الكثير من الناس .. فى الواقع "هو فى حاله "  كل تركيزه يصب على مسح الأحذية و كيف يجعلها تبرق مثل المرآة .. هذا الرجل له أحلام و طموحات .هل أكترثت يوما بمعرفتها ؟  .. أيا كان أعلم أن الذنب ليس ذنبك فربما  خاف هذا الرجل من البوح بما يتمناه "خلينا جنب الحيط يا ست .. الله يسهلك ".
عم محسن رجل جميل من البلد دى ..و هو زعيم " الكار " أى " المنطقة منطقته و المكان مكانه " يعمل كماسح للأحذية و أب لثلاثة أطفال و يطلق عليه أحياناً "جزمجى أو صرماتى "
يجلس عم محسن أمام صندوق الورنيش منتظراً كل يوم أحذية الزبائن  و مقابل جنيه واحد تجد حذاءك يبدو وكأنه جديداً .
بعد سقوط منزل عم محسن أو بمعنى أصح بعد هدم منزل عم محسن بمصر القديمة . إضطر إلى الذهاب إلى  مدينة السادس من أكتوبر مما يجعله يقضى  أكثر من ساعتين فى المواصلات التى تكلفه أكثر من ثمانية جنيهات
 ولكن كيف تسير حياة عم محسن و غيره من أولاد الكار؟ .. يعتبر عم محسن شيخ مساحين الأحذية .. فالزبون الأول يصبح من حقه و إذا أراد أحد من الصحافة أو البلدية أو الشرطة أن يتكلم مع مساحين الأحذية الذين يحيطون به  فعليه أن يتوجه إلى عم محسن . فهو المسئول عن شركائه فى " المكان "
و على رغم من تواضع هذه المهنة إلا  أن "على حد قول عم محسن " :
الشغلانة دى هى اللى أتجوزت منها و هى اللى بتعيشنى و بتعيش عيالى عيشة كويسة  .
وعندما سـألته : هل ترغب فى أن يعمل إبنك كماسح للأحذية " والرد معروف "...فمن البديهى أنه يرغب فى أن يكون إبنه بشمهندس أو طبيب ولكن  كان لعم محسن رد اخر:
 أنا عايز أبنى يشتغل شغلانة شريفة و عايز أعلمه .. لكن لو ضاق به الحال ماعنديش مانع أنه ياخد شغلنتى .
أنا: معلش يا عم محسن كان عندى سؤال : انا شايفة أنك حاسس بإكتفاء ذاتى من مهنتك ؟
لأ إحنا بندفع فلوس الكهربا و الماية وقسط الشقة   اللى نقلتنا ليها وزارة الإسكان و الح***** بس أقل ما يجب أن الح***** تبقى واخدة بالها مننا.. والله أنا بحاول أحس أن مش ناقصنى حاجة علشان ما أتعبش .
أنا: أكيد طبعا زبائنك كلهم مصريين؟
لأ بلعكس أجانب و مصريين و الأجانب بيشفونى مهنة جديدة مش عندهم لأن المكنة بتحل محلى هناك .. عندهم جهاز ييتحط فيه لمؤاخذة الجزمة تطلع بتبرق
أنا : نفسك يكون عندك المكنة دى يا عم محسن ؟
اه بس هى غالية أوى . لو جبتها هفتح محل و هشتغل نفس الشغلانة
أنا : طيب أشرحلى يا عم محسن الأدوات المستخدمة فى شغلك؟
فرشتين والصندوق اللى فيه الورنيش والصبغة اللى أنا بعملها بإيدى
أنا: أنت بقالك عشرين سنة فى الشغلانة دى و 15 سنة فى المكان ده  , أيه اللى بيضمن و بيأمن لك وجودك هنا؟
والله إحنا خمسة كل يوم واحد يروح يلمعلهم جزمهم فى القسم و كل يوم واحد يروح يلمع لرئيس الحى وكلهم هنا عارفينا و أحنا عارفينهم من زمان .
طيب ايه اللى أنت بتتمناه يا عم محسن ؟
نفسى فى معاش و حاولت كتير بس مافيش فايدة أنا لو حصلى حاجة مفيش تأمين و  مفيش معاش وعيالى هيتشردو ماهو اللى أنا بقوم به ده  عبارة عن حرفة المفروض أن الدولة تدعمها أو نقابة لحماية الحرف  الحرة.
وبعد ما أنتهى يومى مع عم محسن للأسف كان عايز يعزمنى على واحد  شاى صعيدى بس كان صيام .. كل سنة و أنتم طيبين و إنتظرونى فى يوم جديد و رجل جميل من البلد دى.
تحرير و إعداد : رناء الدرديرى 
تصوير : عائشة فيلى



01‏/12‏/2010

يوم على الكورنيش


يوم على الكورنيش


سوق الحنطور واقع

تربية بلبل أصعب من تربية أربع عيال

أنا و بلبل على الحلوة و المرة

انا من البلد دى ... عاشقة لسحرها و تاريخها و ترابها ...أنا عارفة إن معظم الناس هتقول  إن ده كلام اغانى ..و لكن إذا أردت معرفة البلد دى ..فعليك أن تقضى يوما مع مواطن من البلد دى ...
يومى النهاردة كان مع عم متولى .. فى منه كتير فى التحرير و على كورنيش النيل و نزلة السمان و الأقصر و أسوان و قنا و المنيا و معظم محافظات الصعيد .. تعرفوا ايه عن عم متولى أو سائق الحنطور ؟
أنا عندى الاجابة ... زمان كان الحنطور و سيلة المواصلات الأساسية حتى عام 1950 مش بس كده ده كمان كان يا سعده يا هناه اللى يروح مشواره بالحنطور  .. كان يتقال عليه أفندى .. لأن حتى الأفندى كانت وسيلته للتنقل "البيسكلته" .. يعنى كان الحنطور و سيلة المواصلات الخاصة بالطبقة الراقية أو الصفوة مثل الأفندية و الهوانم و الأعيان و الباشوات و الشيوخ و العمدة ..إلخ
مع بداية ظهور السيارات و المترو و الترام فى الإسكندرية و القطارات و الأتوبيسات أو النقل العام أصبح الحنطور وسيلة نقل للناس "ال على قدها "   و مع تطور و سائل المواصلات و النقل و أصبحت القاهرة من العواصم الصناعية و المزدحمة  إلى جانب الحياة اليومية السريعة جدا و العملية فقد الحنطور زبائنه .."لأن محدش بقى  رايق و يروح شغله متحنطر أو يروح الشهر العقارى بحنطور" . و إقتصر الحنطور على أنه جزء من الفولكلور المصرى أو مظهر  من مظاهر التراث و أصبح جزء من الحياة السياحية ..
وزى ما هدفى و هدف "مصر بتتكلم " البحث عن المهن التى أصبحت مهمشة ..كان فضولى يدفعنى إلى معرفة  وضع سوق الحنطور .
المكان : الزمالك
الزمان: الساعة 11و نصف  صباحا
بعد بحث طويل عن حنطور واحد .. لأن سائقين الحنطور يبدأون عملهم فى الخامسة مساءا و جدت عم متولى و بصحبته أصدقائه من  سائقين حناطير  أيضا .. يتناولون فطورهم .. فلم أشاء ازعاجهم و انتظرتهم بعيدا .. و بعد نصف ساعة حضر إلي عم متولى قائلا :
-تحت أمرك
- سلام عليكم أسم الكريم ايه؟
-عم متولى
عاشت الأسامى .. و نبى يا عم متولى عايزين لفة كده .. هو الربع ساعة بكام ؟
-مش بالساعة ..باللفة حضرتك ..عايزاها لفة صغيرة ولا لفة كبيرة ؟
-(طبعا دى أول مرة أركب حنطور)  طيب اللفة الصغيرة بكام ؟
-ب 80 جنيه
-ايه يا عم متولى احنا غلابة مش لابسين برانيط ولا حاجة  وبعدين احنا جايين ندردش معاك
طبعا ده كان أول كلام بيننا و طبعا أنا كنت مصدومة و من الصدمة نسيت أسأل عن ثمن اللفة الكبيرة !
كان كل ال فى جيبى 50 جنيه  (اخر الشهر) وعليكو خير و قررت أنى أدردش مع عم متولى مع كوبايتين شاى مظبوطين
.. أول انطباع جاء إلى زهنى .. عم متولى ده مليونير و مخبى لدرجة أنى قلت أشتغل سائقة حنطور و سيبنى من الصحافة .
استأنفت حديثى مع عم متولى  بسلسلة من الأسئلة  عن سوق الحنطور باعتباره وسيلة نقل قديمة و مظهر من مظاهر التراث و عن  تربية الحصنة و المتعة التى يجدها عم متولى فى مهنته و هل مهنته كسائق للحنطور كافية لتكفل له حياه اجتماعية ومادية كريمة؟ .
بعد استماع عم متولى  لأسئلتى ..كان رده الاتى :
أنا سواق حنطور من ثلاثين سنة ..بدأتها لوحدى و كنت أنا الوحيد فى عائلتى اللى بمارسها ..زمان كانت بتأكل عيش و ماكنتش الدنيا غالية .. دلوقتى "سوق الحنطور و اقع " ..سواق الحنطور ده  له عالمه الخاص كل يوم بيشوف ناس جديدة و مختلفة يوم الغنى و يوم ال مش من هنا و يوم الأجنبى و ساعات بفسح عرسان كمان .. كل يوم فى حكاية أبطالها مختلفين ..أنا و بلبل "على الحلوة و المرة " يوم أكسب 200 جنيه و يوم لأ و يوم 80 جنيه .
-عندك أولاد ياعم متولى؟
-عندى أربع مهندسين
-ماشاءالله ربنا يخليهم لك يا عم  متولى .. ربيت 4 مهندسين و بلبل !
-بس بلبل تربيته أصعب! .. بلبل ده لو زعل مش هيشتغل .. لازم أصاحبه و أعمله اللى هو عايزه و أراعيه و أحميه و أكله و أخدمه .. .. و هو ده اللى بيأكل عيالى ..  و معايا على الحلوة و المرة .. لما بتخنق بيجى معايا على الكورنيش و أتكلم معاه و بيفهمنى .
-كان لى سؤال يا عم متولى.. بتحب تركب مصريين أكتر ولا أجانب؟فى سائقين مثلا يقولوا بلاش المصريين علشان بيفصلوا كتير و بيتعبونا!
-أجانب و مصريين لأن الرزق ده بتاع ربنا .. ممكن مصرى يدينى 50 جنيه بس تبقى فيها البركة .. أنا سايبها على الله..و بعدين أحب أقلك كمان أن الأجانب بيفصلوا مش المصريين بس.
و اختتمت كلامى مع عم متولى و كان مصمم أنه يأخذنا لفة على الكورنيش مع بلبل و فعلا كان يوم رائع بصحبة و احد بسيط و جميل من البلد دى  ..
إنتظرونى فى يوم جديد مع شخصية جديدة و على و جهها مرسوم اصالة و عراقة البلد دى .....

تصوير : مريم محمد  
تحرير و إعداد : رناء الدرديرى